الخميس، 7 أغسطس 2008

سعد الدين إبراهيم.. مرة أخرى!

هاني الحوراني - الأربعاء 06 رجب 1429هـ - 09 يوليو 2008م
عاد اسم عالم الاجتماع والناشط المصري د. سعد الدين إبراهيم إلى التداول مرة أخرى، ومن بوابة الاتهامات المعروفة التي سبق أن وجهت اليه قبل بضع سنوات.
وجاء في خبر وزعته وكالة الأنباء الفرنسية قبل أيام، أن النيابة العامة المصرية تحقق في اتهامات "بالتخابر" مع الولايات المتحدة وجهت إليه من قبل شخصين، أحدهما عضو في الحزب الوطني الحاكم، وهو في الوقت نفسه عضو مجلس الشورى، أما الثاني فهو رئيس حزب صغير، يدعى الحزب الجمهوري الحر. والدعوى التي أقامها المواطنان تتهم د. سعد الدين إبراهيم بالتخابر مع دولة أجنبية ونقل أسرار ومعلومات خاطئة تلحق أضراراً بالمصالح الاقتصادية لمصر.لكن اسم سعد الدين إبراهيم عاد للتداول هذه الأيام من بوابة أخرى، فقد منحت مؤسسة تابعة لصحيفة دانماركية هي "Politiken" أي "السياسي"، جائزتها السنوية للحريات لعام 2008 إلى الناشط المصري المذكور، وقيمتها مائة ألف كرون دانماركي أو ما يعادل عشرين ألف دولار أميركي، لدوره القيادي في ترويج حقوق الإنسان والديمقراطية والدفاع عنها. وسوف تسلم له الجائزة في احتفال رسمي يقام في كوبنهاجن في أيلول أو تشرين الأول القادم.وكان سعد الدين إبراهيم قد غادر مصر قبل عامين ونيف، بعد أن قام بجولة مع طلابه في الجامعة الأميركية بالقاهرة، شملت لبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنه تلقى "نصيحة" بألا يعود إلى القاهرة لبعض الوقت. وقد توزعت اقامته منذ ذلك الحين بين قطر التي تبنت مشروعاً له لتأسيس مؤسسة عربية لدعم الديمقراطية، وبين الولايات المتحدة وأوروبا. ومع أن مركزه (مركز ابن خلدون) ما يزال يعمل في القاهرة، إلا أن حضور سعد الدين إبراهيم في الحياة المصرية يقتصر على مقالته الأسبوعية في صحيفة "المصري اليوم" المعارضة.ويشكو سعد الدين إبراهيم من انه ما يزال يتعرض لمضايقات ومطاردات كلامية من السفارات المصرية التي يتهمها بإرسال مندوبيها إلى المنتديات التي يشارك فيها لمهاجمته ودحض آرائه الخاصة بالأوضاع السياسية وحالة الديمقراطية في مصر. وقال مؤخراً لصحيفة "المصري اليوم" انه تقدم بطلب خطي للعودة إلى مصر، مشترطاً الحصول على ضمانات تحميه من الاعتقال، وبأن تتعهد رئاسة الجمهورية والحكومة أنهما ليستا طرفاً في الدعاوى المقامة ضده أمام المحاكم المصرية.قد تبدو قصة سعد الدين إبراهيم وكأنها إعادة مملة لأحداث مماثلة وقعت معه في مطلع العقد الحالي، حين اعتقل على أثر اتهامه بتهم "التزوير" و"الاختلاس" والتعامل مع حكومات أجنبية، إلى أن برأته المحكمة من هذه التهم وأطلق سراحه. ولقد روى سعد الدين قصة اعتقاله في ندوة حاشدة عقدت في عمان قبل عامين. لكن إثارة هذا الموضوع هنا ليس سوى دعوة للتأمل في الحال التي انتهت إليها العلاقة بين المثقف والسلطة في عالمنا العربي. ولعل قصة سعد الدين ابراهيم تكون موضوعاًً "لدراسة حالة" تصف وضعية هذه العلاقة في الواقع العربي الراهن وليس فقط في الحالة المصرية.والمسألة هنا ليست مسألة تضامن مع أكاديمي مرموق وناشط مهم من مصر، وإنما هي فوق ذلك وربما قبله، مسألة ضرورة وضع حد لهذا الاستنزاف العبثي للطاقات الانسانية، الناجم عن استمرار الاستعصاء الراهن للعملية الديمقراطية في العالم العربي، والذي يقود إلى رحيل عالم اجتماع وناشط كبير مثل سعد الدين ابراهيم عن مصر، وقبل ذلك إلى سجنه لأكثر من عام، بسبب "شخصنة" نزاع السلطة معه، بعد إثارته لقضية توريث الرئاسة في مصر. الأفدح من ذلك هو عدم التوصل حتى الآن إلى وضع حد لهذا الصراع الذي خرج عن اطاره وحجمه الطبيعي، فقضية خلاف في الرأي لا تستدعي ذلك القدر من الصداع والاحتدام في وسائل الصراع.لا أنطلق هنا من موقع الاتفاق مع د. سعد الدين إبراهيم في آرائه السياسية، ولا في طريقة إدارته لخلافه مع الحكومة والرئاسة المصرية، ففي الواقع اني أحمله جانباً من المسؤولية عن عزلته أو قطيعته مع تيارات وشخصيات واسعة في مصر وقفت إلى جانبه في محنته. لكني لا أخفي تعاطفي الشخصي والإنساني مع معاناة سعد الدين إبراهيم الذي تعرض لحملة لا توصف، ولا أعرف نظيراً لها في العالم العربي، انطوت على اغتيال منهجي لسمعته ومكانته وشخصه. وهو اغتيال جعل التضامن معه عبئاً ثقيلاً على أصدقائه وعلى المؤسسات التي وقفت معه في محنته قبل سنوات.والسؤال هو: ماذا فعلت عملية الاعتقال واغتيال الشخصية بسعد الدين إبراهيم، وهل هو بعد ذلك ذات الشخص قبلها. وأين الحدود بين "السياسي" و"الشخصي" في صراع سعد الدين إبراهيم ورأس النظام المصري. وكيف ترك ذلك أثره البليغ على مواقفه وتحالفاته، ومنها انفتاحه على الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين وحماس وحزب الله، ومحاولته اقناع الولايات المتحدة بالانفتاح على جماعة الاخوان المسلمين في مصر؟! وفي المقابل لماذا هذا العناد الحكومي المصري في ملاحقة سعد الدين إبراهيم أمام المحاكم وفي مواصلة عملية الاغتيال السياسي ضده؟!يقال ان التاريخ يعيد نفسه، مرة على شكل مأساة ومرة أخرى على شكل مهزلة. وملاحقة سعد الدين ابراهيم، بتهمة التخابر مع دولة أجنبية هي الولايات المتحدة، وهو خارج وطنه أكثر من مجرد مهزلة. *نقلاً عن صحيفة "الغد" الأردنية

هنا الليبرالية الكاملة

تحدث عن الخطوط الحمراء وأدان الحظر المفروض عليهم
ناجح إبراهيم: نحن ننحت الصخر بأظافرنا في مصر
علي عبدالعال
منذ خروج قادتها من السجون المصرية والجماعة الإسلامية تسعى جاهدة لملء مقعدها بين القوى السياسية الفاعلة في البلاد، وعلى الرغم من قلة الوسائل المتاحة وتواضع الإمكانات، استطاعت الجماعة أن تعود وبقوة إلى واجهة المشهد السياسي بمعارك أثارت جدلاً سواء داخل الحركة الإسلامية (اتهامهم الإخوان بمحاولة اغتيال عبد الناصر) أو في الساحة السياسية عموماً (كما في معركتهم مع أقباط المهجر).
وخلال لقائنا معه خاض الدكتور ناجح إبراهيم ـ منظر الجماعة الإسلامية ورئيس تحرير موقعها الرسمي ـ غمار العديد من القضايا الجدالية بين الجماعة والعديد من القوى في مصر، ولم يستطع خلال ذلك أن يخفي المرارة البادية من حديثه حول مواقف واتجاهات هذه القوى من جماعته، التي لم تشجع مبادرتهم لوقف العنف، ولم يجدوا منها يداً للعون، بل تهكم بعض قادتها لخروجهم متسائلين عن أسبابه.
مصر تمتلك طاقات عظيمة محنطة في متحف الحظر
دكتور ناجح.. هل يقتصر نشاط "الجماعة الإسلامية" على ممارسة جانب إعلامي من خلال موقع على شبكة الإنترنت؟ ألا تفكرون في وسائل أخرى تطلون من خلالها على المجتمع؟
"الجماعة الإسلامية" جماعة دعوية تربوية، تحمل الفكر الإسلامي الوسطي وتختزن رصيداً من التجارب والخبرات، ولها تاريخ طويل في الدعوة والعمل الاجتماعي والسياسي. ومازالت كل أبواب ووسائل الدعوة وكافة مجالات الإصلاح في حسباننا.. ولكننا اليوم نعمل من خلال الوسائل المتاحة، وكل ما نملكه هو موقعنا على الانترنت، فقد حيل بيننا وبين سائر الوسائل الأخرى، حتى مجرد ظهورنا في الفضائيات لم يتح لنا، بل إن التليفزيون المصري سجل معنا منذ عام تقريبا حلقات حول المبادرة ولكنها لم تر النور.
ونحن في شوق لتواصل أكبر مع الناس واهتمام أكثر بقضاياهم، والعودة مرة أخرى لمساجدنا، والتواصل مع الشباب لننقل إليهم ما فهمناه من كتاب الله وسنة رسوله، وتجاربنا وخبراتنا في الدعوة والعمل للإسلام.
ونحن لا نريد ذلك لمجرد الظهور، أو لنقول أننا عدنا إلى الساحة، أو لتسلط الأضواء علينا، كلا والله.. ولكننا نحب الدعوة إلى الله ولا نستطيع العيش بدونها، ونريد خدمة ديننا وأمتنا والدفاع عن ثوابتنا في هذه الظروف الدقيقة. وإنني حزين لأن مصر تمتلك طاقات دعوية وتربوية عظيمة ولكنها محنطة في متحف الحظر والمنع، في الوقت الذي يصول فيه ويجول أصحاب الأفكار العلمانية واليسارية المخالفة للإسلام.
يقول البعض: لماذا لا تحاولون إنشاء قناة فضائية، مثل غيركم؟ وأقول: بالإضافة إلي الحظر المضروب على هذه الوسائل بالنسبة لنا، هناك نقطة أخرى وهي الإمكانيات التي تحتاجها مثل هذه الوسائل، ولا تنس أن معظم أبناء الجماعة مازالوا يصارعون بشتى السبل لتوفير حياة كريمة لهم ولأسرهم في ظل تجاهل تام من أجهزة الدولة ومؤسساتها، ولامبالاة من رجال الأعمال الذين يستطيعون تشغيل هؤلاء في مؤسساتهم.
باختصار نحن في هذه المرحلة نسبح ضد التيار وننحت في الصخر بأظافرنا.. وهذه الإطلالة الإعلامية التي نقوم بها من خلال الانترنت ما هي إلا ثقب نتنفس من خلاله.. نحاول أن نكون على مقربة من الأحداث وأن ندلي بالرأي الإسلامي من وجهة نظرنا في القضايا المطروحة، ونسأل الله تعالى لهذا الثقب الصغير أن يتسع.
لو خلي بين الشعوب وإرادتها لاختارت الإسلام
فكرة إنشاء حزب سياسي، كيف ترونها، وما مدى صلاحيتها بالنسبة لمرحلتكم الحالية؟
في الواقع، أنا لا أرى جدوى لإنشاء حزب سياسي لنا أو لأحد من الحركة الإسلامية بمصر في الوقت الراهن.. فالمناخ السياسي لا يسمح بقيام أحزاب سياسية فعالة، فضلاً عن أحزاب ذات طابع إسلامي. والقانون المصري أصبح يحول بين قيام أحزاب لها صبغة إسلامية، أو حتى إصلاحية ذات ميول إسلامية. كما أن معظم الأحزاب الموجودة على الساحة هي أحزاب ورقية ليس لها أي تواجد أو أثر حقيقي في المجتمع. والأحزاب ذات الطابع الإسلامي مازالت أوراقها محنطة في أدراج لجنة الأحزاب، منذ سنوات طويلة، وأرى أنها لن تخرج أبداً.. إلا أن يشاء الله شيئاً
ففكرة إنشاء حزب سياسي ليست مطروحة على أجندتنا في المرحلة الحالية، وليس من أولوياتنا.. إننا نرى الأجدى والأولى لنا الانشغال بالدعوة، والأخذ بأيدي الناس إلى الله، وتعليمهم دينهم وتربيتهم على وسطية الإسلام وسماحته. أما الانشغال بالسياسة ومعاركها فذلك سيصرفنا بعيداً عن أهدافنا وغايتنا، وليس لدينا وقت أو جهد كي نضيعه فيما يسمى بالعمل السياسي الحالي، الذي يستنزف الطاقات بغير طائل حقيقي ودون فائدة.. وأولى بنا أن نستثمر طاقاتنا في الدعوة والتربية وصنع الخير للناس.
وأود أن أضيف أن الحركة الإسلامية في مصر ـ في الوقت الراهن ـ لن تصل إلى الحكم سواء عن الطريق السياسي أو غيره، سلماً أو حرباً. وإذا وصلت أجبرت على تركه، وتجارب الصومال والسودان وأفغانستان وغزة ليست منا ببعيد.. فالنظام الدولي الذي تقوده أمريكا لن يسمح بقيام دولة إسلامية في مصر، على الأقل في المدى القريب، وإسرائيل تدعم ذلك دعما قويا. لكن هذا لا يعني أن الحركة الإسلامية غير مقبولة على المستوى الشعبي.. كلا.. فشعوبنا تتوق إلى الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، ولو خلى بينها وبين إرادتها الحرة لاختارت أن تحكم بالإسلام.. وأن يحكمها من يتمسك به تمسكاً حقيقيا سواء كان من الحركات أو من غيرها.
ثوابتنا لم تتغير ولم تتبدل
لاحظ البعض تغيراً وليناً في خطابكم الجديد، ما أسباب ذلك ؟ وماذا تهدفون؟
من الطبيعي أن يحدث تغير في خطابنا.. فالتغير سنة من السنن الكونية.. والجمود على أسلوب واحد ولغة واحدة في ظل حركة الكون وأحداثه المتغيرة لا يمت للحكمة بصلة. وهل خطاب الشباب في العشرين هو نفس خطابهم على مشارف الستين؟. وهل خطاب الحرب والصدام مشابه لخطاب الصلح والمصالحة ؟. نعم هناك تغير في خطابنا ولكنه نحو الأفضل والأصوب والأكثر إنصافا، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
لقد صرنا أكثر انفتاحا على غيرنا، وصارت نظرتنا لكل الأمور أكثر اتزانا، وصارت أحكامنا أكثر إنصافا، وصار تفكيرنا أكثر عمقاً، وصرنا نقيس الناس بحسناتهم وسيئاتهم. ونرى أن هناك ألواناً متعددة بين الأبيض والأسود، ونرى أن المسلم قد يوالي من جهة طاعته لله سبحانه، ويعادي من جهة معصيته، فلا يوالي على الإطلاق ولا يعادي على الإطلاق. وأصبحت نظرتنا إلى الناس أكثر رحمة. فالفرق بين خطابنا بالأمس وخطاب اليوم هو ذات الفارق بين خطاب المراهقة وخطاب الرشد.
نعم تغير خطابنا ولكن ثوابتنا لم تتغير.. فمازلنا نبتغي مرضات الله في كل قول وعمل، ومازلنا ندرك دورنا تجاه أمتنا ومجتمعنا المصري والإسلامي. ولن نفارق مهمة الدعوة إلى الله قدر استطاعتنا، ومازلنا نسعى لتعبيد الناس لربهم، ومازلنا ملتزمين بهداية أنفسنا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية، ومازال الجهاد في سبيل الله لصد الغزاة عن أوطاننا فريضة نؤمن بها. ومازال الكتاب والسنة دستورنا وميثاقنا، ومازال فهم السلف الصالح للدين هو الأساس الذي نبني عليه مسيرتنا، ومازال علماء الدين الأثبات الثقات هم هداتنا إلى طريق الحق.
فلا ضير إذاً أن يتغير خطابنا، وأن يكون ليناً في مواضع اللين وشديدا في مواضع الشدة، وأن يكون خطابنا في الصلح مناسبا للمصالحة وألا يشابه خطابنا في الحرب، وإلا عدنا إلى الحرب والصدام من جديد، فالكلمة هي بداية الحرب. وهذه كلها تمثل الحكمة التي أورثتنا إياها خبرات السنين وسنوات السجن وتجارب الصدام، ثم أخيراً خبرات المراجعة.
لا وجود لقوى سياسية حقيقية في مصر
كيف رأيتم استجابة القوى السياسية والثقافية والمجتمع بشكل عام في مصر مع تغير خطابكم ورغبتكم في الانفتاح؟
لقد كنا نتمنى أن نرى بالفعل استجابة لما طرحناه من مبادرة تاريخية حقنت دماء أبناء وطننا وحفظت أمن البلاد واستقرارها.. لكن – للأسف – بعد مرور أكثر من عشر سنوات لم نجد أي استجابة مما تسميه بالقوى السياسية والثقافية في المجتمع. ذلك أنه في الحقيقة لا يوجد قوى سياسية حقيقية في مصر، اللهم إلا كيانات هشة لا وجود لها في الشارع ولا أثر. أما عن القوى الثقافية، فأكثرها يميل للفكر اليساري، وهو فكر لا يرحب بوجود تيار إسلامي. لكن هناك عدد كبير من المفكرين والباحثين رحب بمبادرتنا ترحيبا ً كبيرا ً ومنهم بعض المفكرين الإسلاميين مثل: د. سليم العوا، ود. القرضاوي، والمستشار البشري، وأ/ فهمي هويدي، ود.عصام العريان، وأ/ جمال سلطان، ود. رفعت سيد أحمد، د.عبد الصبور شاهين، ود.عبد العظيم المطعني.
ومفكرين آخرين منهم على سبيل المثال لا الحصر: أ/ مكرم محمد أحمد، ود. ضياء رشوان، ود. عبد المنعم سعيد، وأ/ عبد اللطيف المناوي، ود.حسن أبو طالب، .. ومن اليساريين، أ/ نبيل الهلالي وآخرين.
وأقوى تشجيع لقيته شخصيا ً كان من د.سليم العوا الذي حاول قدر جهده التعريف بالمبادرة في كل المؤتمرات التي حضرها. وأول تشجيع لقيناه كان من أ/مكرم ، الذي عرف الناس بالمبادرة عن طريق مجلة "المصور". أما أول الصحفيين الذين أيدوها وكتبوا عنها فهو د. ضياء رشوان .. ومحمد صلاح بجريدة "الحياة".
أما مواقف الحركة الإسلامية فكانت أقل من المستوى، وبعضها اتسم بالشماتة، والبعض الآخر كان موقفه منطلقا من نظرية المؤامرة معتبراً أن المبادرة هي مؤامرة عليه وعلي حركته لضربها. وبعض هؤلاء يطرحون سؤالا ًعجيباً مفاده لماذا خرجت الجماعة بعد 24سنة سجنا ً، و16اعتقالا ً، وبعد انتهاء مدد الحكم عليهم بسنوات. ونحن نقول لهم: "ما هو الموعد المناسب لخروجنا إذا ً حتى لا تظنوا أننا خرجنا لننافسكم؟". وبالرغم من ذلك فإنني أعذر الجميع، فقد حيل بيننا وبين لقائهم وتعريفهم بمبادرتنا على وجه صحيح، ولم يطلعوا على كتب المبادرة وأدبياتها، ولو حدث ذلك لكان التفاعل أفضل وأحسن.
المشكلة أن كل الناس تتحدث عن المبادرة وتتناول أفكارها في المؤتمرات المختلفة ماعدا الذين صنعوها، وهذا والله شيء عجيب. وعلي أية حال، فقد قمنا بواجبنا، وما يمليه علينا ديننا وضميرنا، وراجعنا أنفسنا بشجاعة لم يتجاسر علي مثلها غيرنا سواء داخل الحركة أو خارجها. ويكفينا فخرا ًأن يسجل التاريخ في صفحاته مبادرتنا الشجاعة، وأن يسجل على قوى كثيرة في المجتمع عدم تجاوبها.
كل الإسلاميين في الخطوط الحمراء سواء
ما الخطوط الحمراء التي خرجتم من السجون، بشرط عدم الاقتراب منها؟
الخطوط الحمراء ليست من نصيبنا وحدنا فكل الإسلاميين فيها سواء، ولكن الأمر في حالتنا أكثر حساسية، وخطوطنا أكثر من غيرنا من الإسلاميين.. ووضعنا يختلف. فقد خرجنا للتو من صراع مع الدولة راح ضحيته آلاف القتلى والجرحى، ونفذ حكم الإعدام بمائة أخ، ولدينا 12 محكوم بالإعدم من محاكم عسكرية، وأكثر من 120 بأحكام لم تنته منذ التسعينات. كل هذا أملى على الدولة أن تضع لنا خطوطا حمراء إضافية أكثر من غيرنا.
وقد وضعنا للجماعة خطوطاً حمراء لا نتجاوزها، أهمها : منع الصدام المسلح مع الدولة أو مقدماته منعا باتا، أو عودة الجناح العسكري مرة أخرى، ولا ضير في ذلك.. فرحم الله عبداً كان صادقا مع نفسه والآخرين. ولا يعني ذلك أن نداهن في الحق أو نسكت على باطل أو أن ننصر ظالماً.
وهذه الخطوط التي ألزمنا بها أنفسنا تنطلق من أسس شرعية وواقعية، أضف إلى ذلك أن الوفاء بالعهد يلزمنا أيضا. ومن أمثلة الخطوط الحمراء المفروضة علينا: عدم الظهور بالفضائيات، وعدم الخطابة والدروس في المساجد، وخطوط أخرى يعلمها القاصي والداني.
رسائل للأقباط
تابعنا موقفكم من الأحداث التي جرت بين مسلمين وأقباط ، ورفضكم الإستقواء على الدولة بالخارج، أين الخلل ـ بنظركم ـ في جدلية المسألة الطائفية في مصر؟ وتفسيركم لما يجري؟
قبل الحديث عن المسألة الطائفية، أحب أن أوضح الحقائق التالية:
أولا: نحن لا نرضى بالظلم لأي أحد سواء كان مسلما أو غير مسلم، فالله تعالى حرم الظلم على عباده وجعله بينهم محرما، وعلينا أن نرفض ونستنكر الظلم حتى لو وقع من أحدنا، فما أنزلت الكتب ولا أرسلت الرسل ولا جاء الإسلام إلا لإقامة العدل.
ثانيا : لم ينل أقباط مصر حقوقهم كاملة في عصر من العصور إلا في ظل التطبيق الصحيح للشريعة وتحت حكم الإسلام. ولعل المنصفين من الأقباط يشهدون بذلك.. وقد كان الفتح الإسلامي منقذا لهم من الاضطهاد والإبادة الجماعية التي كانوا يتعرضون لها على أيدي الرومان الذين يخالفونهم فقط في المذهب.
ثالثا : معظم الأحداث التي وقعت مؤخراً بين المسلمين والأقباط لم تكن تحمل صبغة طائفية، بل مشكلات عادية بين مواطنين مصريين، ولكن بعض المغرضين في المهجر كانوا يقدمونها بصورة طائفية لتحقيق أغراض سياسية معينة.
رابعا : على الأقباط أن يتذكروا أن أمريكا دولة علمانية تتاجر بورقتهم فقط لتوجيه سياسة مصر الداخلية والخارجية بما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل وليس مصالح الأقباط.
خامساً: على الأقباط أن يتذكروا جيدا كلمة د.مصطفي الفقي ( الذي يتغطى بأمريكا فهو عريان) وعليهم أن يتذكروا أن أمريكا لن تستطيع احتلال مصر، وإذا حدث ذلك ـ لا قدر الله ـ فسيكون الأقباط أول الخاسرين.
سادسا: على أقباط مصر أن يتذكروا أن نصارى أمريكا بروتستانت وهم أرثوذكس، وعليهم أن يستعيدوا الخبرة التاريخية الأليمة حينما احتل الرومان الكاثوليك مصر وأذاقوهم ويلات العذاب بإجبارهم على ترك مذهبهم. وعليهم أن يتذكروا أن الحملة الفرنسية الكاثوليكية مكثت ثلاث سنوات فقط في مصر وأصاب الأقباط قلق شديد من توسعها في بناء الكنائس الكاثوليكية، حتى استجاروا بالسلطان العثماني ليمنعهم من ذلك.
سابعا : معظم أقباط المهجر لا يبحثون عن مصلحة أقباط مصر ولكنهم يسعون فقط لتحقيق مصالح شخصية وبيزنس لهم، وهم يقيمون علاقات وثيقة بالموساد والاستخبارات الأمريكية.
ثامنا : مصر لن تنقسم إلى دولتين مهما كانت، ولن تكون فيها دولة كدولة الأكراد بالعراق أو جنوب السودان، على الأقباط أن يدركوا ذلك جيداً. وعليهم ألا يغتروا بدعوات المهجر وألا ينخدعوا بالوعود الأمريكية، ومكانتهم في وطنهم مصر ومع إخوانهم المسلمين وتحت لواء الإسلام مع حرية عقيدتهم وشعائرهم أشرف وأكرم من أن يهتفوا داخل وخارج الكنائس بدعوة بوش لاحتلال مصر وإنقاذهم . لو أن الأقباط أدركوا ذلك لحلت كل المشاكل أو معظمها على الأقل.
اتهمتم الإخوان بمحاولة اغتيال عبد الناصر، فلماذا في هذا التوقيت؟ وهل في المسألة غزل للناصريين أو قوى أخرى في الدولة ؟ أم تصفية حسابات مع الجماعة؟
لم أستغرب كثيرا أن يثير مقالي حول عبد الناصر كل هذا الجدال، وأن تنتقده بصورة لاذعة بعض التيارات التي يفترض أن تكون ردود أفعالها أكثر حكمة ونضوجا. ذلك رغم أنني حاولت جاهدا في المقال أن أقدم للشباب العربي نظرة منصفة عن هذا الرجل، فقد ذكرت خمسة وعشرين سلبية لعبد الناصر، مقابل ثلاث عشرة إيجابية فقط. ويؤسفني أن أقول إن العقل العربي مازال يعيش في مرحلة المراهقة الفكرية، ومازالت تستهويه العواطف والكلمات الحماسية، وإن مناخنا الثقافي لم يصل بعد لمرحلة النضج والاكتمال.
فما حدث من تفاعلات حول المقال - في تقديري- ليس عيبا فيه بقدر ما هو عيب في منهجية تفكيرنا وطريقة تصورنا وتقييمنا. لقد جاء المقال بصورته ليكون كاشفا عن المأساة الفكرية التي تعاني منها التيارات المعاصرة، التي لا تقبل أن يخالفها أحد الرأي. لقد كنت أتمنى أن أجد من يخالفني في الرأي، ولكن بطريقة مهذبة خالية من الإسفاف، حتى نعلم شبابنا كيف يختلفون، وكيف أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. لكن للأسف لم أجد ذلك، وإنما وجدت من يتهمني بمغازلة الناصريين تارة، وبممالأة السلطة تارة أخرى، وكلها حيل أصحاب الحجج الواهية.. إذ لو كان لأحدهم حجة لنازل الرأي بالرأي والكلمة بالكلمة.
وما قلته قاله من قبل قادة كبار في الإخوان مثل فريد عبد الخالق، وهو يعد بعد الأستاذ التلمساني في المكانة، وقاله أ/احمد رائف، وقاله أحمد عادل كمال المؤرخ المعروف الذي كان مسئولا عن الجناح الخاص بالقاهرة الكبرى، وآخرين، ولكي تهدأ النفوس أحب أن أقول: إنني لم أتعود أن أكتب بقلمي كلمة لغير وجه الله تعالى، ولم أتعود أن أكتب غير ما يرضيه، وليس هناك كلمة واحدة في كتاباتي سطرتها مغازلة لأحد أو ممالأة، اللهم إلا أن تكون بيانا للحق، حتى وإن كرهه الكثيرون. ثم أين هؤلاء الناصريون الذين أغازلهم، لقد ولى زمانهم وانقضى، وما عادوا يملكون لأنفسهم شيئا فضلا عن أن يملكوا لغيرهم.
إنني كتبت هذه الكلمات شهادة للتاريخ، وتعليما للشباب ألا تدفعهم الخصومة مع أحد أن يغمطوه حقا من حقوقه.. ولا يدفعهم حب أحد لأن يعظموه ويقدسوه على حساب الحق.
بعد عودته من ألمانيا، ما مصير الدكتور عبد الآخر حماد في هيكلية الجماعة؟ هل سيناط به دوراً من بين المهام؟ أم أن هذا غير مسموح به؟
الشيخ عبد الآخر من العلماء والدعاة الكبار، وكان له باع كبير في تعليم وتربية الأخوة في الصعيد منذ السبعينات، وهو حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وليسانس الحقوق، ويحمل الدكتوراه في الشريعة. وكان له مسجد شهير بألمانيا يخطب ويدرس فيه حتى حضوره لمصر، وكان يتناوب الفتوى مع الشيخ أسامة حافظ على موقع الجماعة. والشيخ لا يقل مكانة عن أحد من مجلس شورى الجماعة، وهو أوسع مني علماً، ولو أراد أن يكون واحداً منهم لكان ذلك ميسوراً، ولكنه عزف عن المناصب التنظيمية، وكان يرضى أن يقوده تلميذ تلميذه في أسيوط وغيرها. حتى في السجون كان يزهد في أي موقع إداري، ليتفرغ بالكلية لتعليم العلم والدعوة والتربية، ولولا ضغوط الأخوة المتواصلة عليه بالخارج ما قبل أن يكون عضواً بمجلس شورى الجماعة.
فالشيخ عبد الآخر لا يحب المناصب أو الظهور، ولكنه يحب التفرغ الكامل لعشقه الأوحد: الدعوة والتربية وتعليم الناس.. وهو رجل متواضع، خفيض الصوت، لا يرى نفسه.. ويكره العنف. وقد حاول في الثمانينات تحويل مسار الجماعة بعيداً عن الصدام مع الدولة، لكن الظروف كانت أكبر منه، ولذا فقد كان من الطبيعي أن يكون من أوائل المؤيدين للمبادرة.
أما ماذا سيفعل في الأيام المقبلة؟ فالإجابة ستحدد في ظل المسموح والممنوع على دعاة الجماعة، وفي ظل المساحة المتاحة، وليس أمامه سوى الاستمرار في الفتيا والكتابة بالموقع، كما كان يفعل في ألمانيا.
الحكومة أوفت بعهدها للعائدين من الخارج
وماذا عن قيادات أخرى مازالت في الخارج؟ هل من جهود تبذلونها من أجل عودتهم؟
هذا الملف من أفضل الملفات التي أنجزتها المبادرة، لقد كان هناك مئات من الهاربين من الاعتقال من أبناء الجماعة في بلدان شتي مثل البوسنة وأفغانستان واليمن والسودان والسعودية ودول أوروبا. وكان يعيشون في قلق دائم وتوتر مستمر، وكانوا يريدون العودة لمصر بشرط ألا يحدث لهم مكروه أو يقدموا لمحاكمات أو يعذبوا. وبعد خروج الأخوة من السجون تم تعيين الشيخ (محمد يس) مسئولا ً عن هذا الملف الهام، ونجح في إعادة مئات الأخوة الهاربين إلي بيوتهم وأهلهم سالمين دون أن يصابوا بأذى أو يتعرضوا لمضايقات. منهم من قضي فترة بسيطة بالاعتقال دون محاكمة أو تعذيب، وبعضهم كان معرضا ً للقتل في بلادهم مثل البوسنة أو أفغانستان، وهؤلاء كان لهم عطاء عظيم في الجهاد الإسلامي بالبوسنة وأفغانستان والشيشان ونحوها.. ولهم بطولات خارقة ولكن لم يحن الوقت بعد لحكايتها، وهذه القصص تمثل جزءا ً بسيطا ًمن بذل وتضحيات وجهاد أخوة الجماعة في ميادين القتال الإسلامية، وبعضهم كان في هيئة أركان الحرب بالبوسنة، وبعضهم كان صديقا ً للرئيس علي عزت بيجو فيتش ومساعدا له في الحرب، وكان رحمه الله يعرف قيمة المقاتلين العرب وخاصة المصريين وبأسهم في القتال. ولا يعرف قيمة هذا الملف وما بذل فيه من جهد سوي هؤلاء الأخوة، ومن قبض عليه منهم قبل المبادرة.. فهؤلاء كان يقبض عليهم ليعودوا فيحدث لهم ما لا يخطر علي بال، ثم يقدمون لمحاكمات استثنائية مثل العائدون من ألبانيا، والعائدون من أفغانستان. وأحكامها إما الإعدام أو المؤبد، فضلا ً عن تركه أولاده وأسرته في البلاد.. وبعضهم ترك أسرته بأفغانستان ثم قامت الطائرات الأمريكية بدك منازلهم ليقتل أولاده جميعا ًمع زوجته فلا يبقي له في الحياة شيئا ً.. وهذا حدث مع أولاد المرحوم أحمد النجار.
وأود أن أنبه علي أمر هام أننا لا نسعى وراء أحد ليعود إلي مصر، ولا نطلب من أحد ذلك، ولكن الشيخ محمد يس يتحرك فقط لمن يريد العودة ويطلب منه صراحة، وبعد التوسط لدي الأجهزة المعنية يصارحه بأنه قد يعتقل لمدة شهر أو شهرين، حتى يأتي علي بصيرة من أمره.. فهو المستفيد في المقام الأول. والدليل علي ذلك أن هناك أخوة كثيرين ما زالوا في أوروبا وغيرها لم نفاتحهم يوما ً، ولم نفاتح الشيخ عبد الآخر في عودته إلا بعد أن طلب ذلك مرارا ً، بعد عودة زوجته وبناته لمصر ليلتحقوا بالجامعة، فوجد الشيخ أن حياته في ألمانيا بدون أسرته لا معنى لها وحينها طلب العودة. ومهما قلت في أهمية هذا الملف في جمع أسر هؤلاء بعد تمزق فلن أوفيه حقه.. وبعض الأولاد لم تكن لهم شهادات ميلاد ولا أوراق ثبوتية.. ولكن كل ذلك تيسر بعد مجهودات بذلها مخلصون وجنود مجهولون. ولا يقل الفرج الكبير الذي حدث لهؤلاء عن الفرج الكبير الذي حدث للمعتقلين في مصر.. وبعضهم عاد للعمل أو للزيارة في البلد الذي عاد منه.. فبعضهم متزوج من مسلمات أجنبيات خاصة من البوسنة وبعضهم له أعمال في ألمانيا.
ويعتبر د/ محمود طه وهو أستاذ في الكيمياء بألمانيا أول من تمت تسوية موقفه بطريقة مشرفة وآمنة.. وهو من قيادي الجماعة وأولاده حاصلون على الجنسية الألمانية.. وكلما نجحت حالة شجعت غيرها وهكذا.. وهو يزور ألمانيا مع أسرته بين الحين والآخر ثم يعود لمصر بلا مضايقات، وقد كان هؤلاء الأخوة لا يثقون في البداية بنية الحكومة المصرية ويخافون أن تغدر بهم بعد عودتهم .. فلما رأوا أنها تفي بعهدها مع العائدين تشجعوا واحدا وراء الآخر.. وكلما عاد واحد ورأى بنفسه التغيير الذي طرأ على تعامل الأمن المصري مع هذا الملف حكي لغيره وهكذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ/ علي عبدالعال

سعد الدين ابراهيم ضحية المسافات بين أمريكا و مصر


سعد الدين إبراهيم ضحية المسافات بين أمريكا ومصر
الثلاثاء 05 اغسطس 2008م الساعة9:25:11 صباحاً بتوقيت جرنتش

جريدة السياسى تصدر فى فرنسا – الافتتاحية

وليد خليفة ـ باريس
زخات الدعاوي التي تتهاطل على المفكر المصري سعد الدين إبراهيم تشكل سابقة أولى في تاريخ علاقة المثقف بالسلطة في العالم ، فلم يسبق أن شهدت أروقة المحاكم في ظل أي سلطة في العالم كل هذا الكم من الدعاوي والضجيج حول كاتب أو معارض يتخذ الفكر والكتابة والدعاوي السلمية في مواجهة نظام بلده ، حتى في ظل أعتى الديكتاتوريات أو نقيضتها الديمقراطية لم يسبق أن استقبلت أروقة المحاكم دعاوي من مواطنين غيورين على أمن البلد والسلطة وسلامتهما مثلما استقبلت المحاكم المصرية منذ العام 2000 الدعاوي من مواطنين مصريين ضد هذا المفكر والمركز الذي يشرف عليه " مركز ابن خلدون " وتحت حجج مختلفة تبدأ من الإساءة إلى سمعة البلد وتنتهي بالتخوين وتحريض الأجنبي والدعوة إلى العصيان و الفساد والطائفية و.. كأن المصريين لا شغل لهم إلا ما يقوله سعد! ، وكأن السلطة في مصر في صراع مع الأمريكان ولا يشغلها عن حربها سوى سعد ومركزه ، منذ متى كان المواطن المصري مشغولا بالمثقف ؟ هل حرك محاولة اغتيال أديب نوبل المرحوم نجيب محفوظ الشارع المصري وأروقة محاكمه في مواجهة فقهاء الظلام الذين تسببوا في ذلك ؟ وهل تحرك أحدهم ضد اغتيال المفكر فرج فودة ؟ منذ متى كانت للكلمة كل هذا التأثير على الشارع المصري والعربي ؟ أم أن خلف الكواليس ما هو أكثر من واضح ؟
ليست هي المرة الأولى التي يحاكم فيها سعد الدين إبراهيم فقد سبق له أن قضى أكثر من عامين في السجن وبالتهم نفسها وتمت تبرئته بضغوط أمريكية ودولية وأما عن رحلة إبراهيم السياسية فقد بدأها المفكر في أروقة التنظيرات لصالح السلطة من خلاله ارتكازاته النظرية المعروفة على لازمته" تجسير الهوة بين المثقف والسلطة " التي نادى بها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كرد على المد اليساري المنتشر في الأوساط الثقافية في العالم العربي ، لم يلبث أن انقلب على مرتكزه النظري بعد أن فقدت هي واليسارية مفاعيلهما فالتزم سعد بالليبرالية الجديدة وتجلياتها الأمريكية بعد سقوط جدار برلين وأسس مركز ابن خلدون في أواسط الثمانينات وحاول نشر أفكاره المتطابقة مع السياسة الأمريكية من خلال نشاطات المركز من محاضرات أسبوعية ومنشورات ولجان بحث وتقصي وإحصاء ولجان لمراقبة الصناديق الانتخابية فحدث الصدام بينه وبين الحزب الحاكم وبدرجات توتر اختلفت حسب المسافة الفاصلة بين مصالح ورؤى السلطة المصرية والمصالح والرؤى الأمريكية .
سعد المتنقل حاليا بين أسبانيا وقطر والولايات المتحدة يدرك تماما مساحة الملعب الذي يجري فيه المتبارزين المكلفين برفع الدعاوي ضده ويدرك بحكم التجربة والمعرفة النظرية أن الحلول لن تكون في حقائب المحامين ، الخصوم منهم والمدافعين ، ولا يملك قاضي الاستئناف ولا حتى قضاة محكمة النقض التي قال عنها سعد " أنها المحكمة الوحيدة المستقلة في مصر " الحلول وأستزاد سعد:"سأظل في الخارج إلى تنتهي درجة التقاضي وإن صدر حكم نهائي وبات من محكمة النقض بحبسي فسأعود إلى مصر ، أنا لست هاربا " ولكن المسألة ليست هنا أو هكذا ، يعرفها سعد كما الجميع فالمسافة الفاصلة بين وصول المعونة الأمريكية إلى الحكومة المصرية كاملة بلا نقصان هي التي تحدد عودة سعد وبراءته وما انتظاره وكلمات السفيرة الأمريكية في القاهرة "سكوبي" وتصريحات المدافعين والمناوئين إلا للاستهلاك الإعلامي والقضية تختصر في الابتزاز وأما حرية الرأي والتفكير والديمقراطية فهي آخر القضايا في دنيا العرب منذ الانقلاب الكارثي في العام 1952 .

المساعدات الأميركية واستقرار القرار الاقتصادي والسياسي المصري


مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة:
بروفيسور مايكل هدسون: جامعة جورج تاون- واشنطن
أحمد السيد النجار: باحث اقتصادي- مركز الأهرام
تاريخ الحلقة:
05/09/2002



مالك التريكي: في أعقاب رفض الولايات المتحدة منح مصر مساعدات إضافية، تساؤلات حول دور المساعدات الأميركية في الاقتصاد المصري وحول أثرها في استقلالية القرار الوطني.
أهلاً بكم، ما أن خيم شبح الإفلاس على إمارة (جراند فانويك) الأوروبية الصغيرة حتى أعلنت الحرب على أميركا، وبما أن الإمارة الصغيرة لم تكن تأمل في انتصار بل في انهزام خاطف تعقبه مساعدات مالية أميركية فإن الجانبين اتفقا بعد الحرب على كل شيء إلا على حجم المساعدات، الإمارة تطالب بمبلغ مليون دولار فقط لأنه يفي بالحاجة، والولايات المتحدة تشترط -ويا للعجب- أن تكون مساعداتها أكبر من ذلك بكثير، هذه المساعدات غير الواقعية التي يصورها فيلم أميركي من الخمسينيات بعنوان "الفأر الذي زأر زئير الأسد"، تحتمل أحد مغزيين إما المغزى المقصود أي ما ذهب إليه المخرج من أن أميركا هي من طيبة القلب بحيث تغدق العطايا على الجميع، حتى لو كانوا من أعدائها السابقين، أو المغزى غير المقصود أي أن المساعدات هي أداة سياسية لتثبيت الأوضاع أو توجيه السياسات في الدولة المتلقية وذلك بما يخدم مصالح الدولة المانحة، وإلا ففيما الإصرار الأميركي على منح مساعدات أكبر بكثير مما يحتاجه البلد.
وليس يخفي هذه الأيام أي المغزيين هو الأكثر انطباقاً على حالة المساعدات الأميركية لمصر، خاصة منذ أن أعلنت واشنطن أو عللت واشنطن قرارها رفض منح القاهرة مساعدات إضافية بقيمة 130 مليون دولار باستياءها من قرار القضاء المصري تثبيت حكم السجن الصادر ضد الأكاديمي والناشط سعد الدين إبراهيم.
وبما أن هذه هي المرة الأولى منذ ربع قرن.. منذ ربع قرن التي تربط فيها واشنطن بين منح المساعدات أو منعها، وبين أوضاع حقوق الإنسان في مصر، فإن الرأي العام المصري قد هب في شبه إجماع على استنكار هذه السابقة التي عدت تدخلاً في شؤون السيادة يكاد يبلغ حد النيل من الكرامة.
وفي خضم هذه الهبة تجدد في مصر جدل قديم نسبياً حول المساعدات الأميركية ودورها في الاقتصاد المصري، هل تساهم التنمية أم تعوقها؟ وهل تخدم الأولويات المصرية أم الأولويات الأميركية؟ وهل يمكن لمصر أن تستمر في الحصول على المساعدات مع الاستمرار في الحفاظ على هامش من استقلالية القرار السياسي؟ وهل يمكن لمصر الاستغناء عن هذه المساعدات استغناءً نهائياً، لا سيما أن من الأكيد أن سيأتي اليوم الذي تقرر فيه واشنطن وقفها بالمرة؟
لاميس الحديدي تعرض في تقرير من القاهرة عناصر هذا الجدل حول قضية المساعدات الأميركية.
تقرير/لاميس الحديدي: ربع قرن من المعونات الأميركية لمصر وقرابة 25 مليار دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية قدمتها واشنطن، ولا يزال الجدل قائماً حول حقيقة تلك المعونات وأهميتها للاقتصاد المصري، فمنذ توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 79 ومصر تحصل سنوياً على 850 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية ومليار و200 مليون أخرى من المساعدات العسكرية، يمول معظمها مشروعات للبنية الأساسية والخدمات الصحية والتعليم، إضافة إلى برنامج لاستيراد السلع التي استخدمته مصر في الماضي لاستيراد القمح.
غير أن تلك الأرقام قد بدأت في التراجع عام 99، مع تطبيق برنامج خفض المعونات الأميركي، والذي يخفض 5% من المعونة الاقتصادية سنوياً لتصل إلى نحو 400 مليون دولار عام 2001، فماذا قدمت المعونة الأميركية للاقتصاد المصري؟
عبد الفتاح الجبالي (رئيس الوحدة الاقتصادية بمركز الأهرام): الحقيقة جزء من المعونة توجه للبنية الأساسية ودا ساعد كثير في إصلاح البنية الأساسية في المجتمع المصري بالذات في مجالات الصرف الصحي، في مجالات بعض الإنشاءات المتعلقة بهذا المجال، العديد من القطاعات الأخرى استفادت بشكل أو بآخر من تدفق مثل هذه الأموال على الاقتصاد المصري.
لاميس الحديدي: الجهاز المركزي المصري للمحاسبات أكد في تقرير أخير أن مصر لم تستفد سوى من 66% من أموال المعونة المتاحة، أي قرابة 15 ملياراً فقط، ويرجع ذلك -كما يقول التقرير- إلى شروط أميركية في تنفيذ البرامج.
سعيد هجرس (مدير تحرير جريدة "العالم اليوم" الاقتصادية): مثلاً كان فيه حاجات خاصة بمرفق المياه والصرف الصحي، حاجات مرتبطة بأن مصر ترفع التعريفة بتاع استهلاك المياه، فيه أيضاً اتفاقات أخرى متعلقة لم تنفذ لأن الأميركان اشترطوا تسريح عمالة، والجانب المصري رفض، فيه أيضاً هتلاقي فيه أمثلة حتى بتبقى بالغة الفجاجة في بعض الأحيان زي مثلاً إنه جاء في إطار أحد هذه الاتفاقات قطيع من الأبقار جات من الولايات المتحدة الأميركية وثبت إنه مصاب باللوتينيا، وفضلت وزارة الزراعة تشتكي وتعلن بلا جدوى.
لاميس الحديدي: ويرفض الجانب الأميركي ذلك التقرير مؤكداً أن الولايات المتحدة كانت شريكاً أساسياً للتنمية في مصر ساهمت بموجبه المعونة بقوة في تحديث الاقتصاد المصري.
ويلارد بيرسون (مدير هيئة المعونة- مصر): هذا خطأ تماماً، فمن بين 25 مليار دولار قدمناها على مدار السنوات الماضية هناك 4% فقط أو أقل لم يتم إنفاقها وهي أموال تم رصدها لمشروعات ضخمة في البنية الأساسية، ولازالت تحت الإنشاء ولم تكتمل بعد، وبالتالي فإن قرابة الـ100% من المبالغ التي تم منحها أنفقت في مشروعات داخل مصر.
لاميس الحديدي: ذلك الجدل المحترم حول ما قدمته المعونة الأميركية لمصر على مر السنوات لا يتوقف عند حافة الدوائر السياسية والاقتصادية فحسب، بل يمتد عمقاً إلى رجل الشارع، فهل يشعر المواطن المصري البسيط بمليارات المعونة الأميركية؟
مواطن مصري1: لأ، مش حاسس، مش حاسس بالمعونة ولا عارف هي بتتوزع إزاي، ولا يتروح فين، ولا.. مش حاسس بيها بصراحة، أنا كمواطن مش حاسس بيها.
مواطن2: بالنسبة للتحكمات اللي هم عايزين يفرضوها علينا، وإحنا ما بنقبلهاش، فإذا ربطوها بتحكمات بتاعتهم دي، لأ نفرضها، ومش هتؤثر علينا، لأن حجم ميزانيتنا ما يتأثرش بـ2 مليار دولار.
مواطن3: لازم يبقى فيه تنازلات، لازم يبقى فيه ضغط عليها عشانها، لازم بيبقى فيه كلام خاص بقضايا خاصة بالمسلمين وبالعرب زي العراق وزي السودان وزي الصومال وزي أفغانستان، دوائر كثير جداً للمسلمين في مقابل إن إحنا بنسكت في.. زي دول ثانية زي مثلاً اللي بيحصل في الشيشان، زي اللي بيحصل.. كان بيحصل في البوسنة والهرسك، كل دا إحنا ساكتين.. ساكتين.. ساكتين، عشان أيه؟ لأ كل دا مش عايزينه.
لاميس الحديدي: ولم يبتعد المواطن المصري في ذلك كثيراً عن الحقيقة، فقد جاء رفض واشنطن مؤخراً لأية معونات إضافية اعتراضاً على الحكم في قضية دكتور سعد الدين إبراهيم إعلاناً صريحاً باستخدام المعونة كورقة ضغط سياسية في أوقات الخلاف.
سعيد هجرس: هذه المعونة مرتبطة بشيء رئيسي ألا وهو إنه تبقى المصالح المصرية والمصالح الأميركية هناك التقاء بينهم، طيب ماذا يحدث عندما يكون هذا.. عندما تكون هذه المصالح متناقضة مثلما هو الآن، ومثلما هي مرشحة لأن تكون، وهذا خطر المعونة الأميركية، إنها بتعمق الاعتماد في الغذاء على القمح الأميركي وفي السلاح على السلاح الأميركي.
لاميس الحديدي: وفبما لا تمثل المعونة الأميركية الآن سوى 2% فقط من الناتج القومي الإجمالي، فإن الأصوات تتعالى لمحاولة التخلص من عبئها الاقتصادي.
عبد الفتاح الجبالي: جوهر القضية هنا هو كيف يمكن تعظيم الطاقة الادخارية للمجتمع المصري، وهنا مجالات عديدة لأني أعتقد أن الاقتصاد المصري لديه طاقات كامنة.. طاقات ادخارية كامنة كبيرة تستطيع أن تساعد كثيراً في إحداث طفرة ما فيما يتعلق بالادخار المحلي في المجتمع بشكل عام.
لاميس الحديدي: ورغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية المصرية، وانخفاض موارد مصر من النقد الأجنبي إلا أن التدرج في التخلص من إدمان الاعتماد على المعونة الأميركية وغيرها من المعونات قد أضحت ضرورة قومية لا مفر منها، لتحقيق استقلال القرار الاقتصادي والسياسي المصري.
الرؤية الأميركية لجدوى المساعدات الأميركيةوأثرها التنموي على الاقتصاد المصري
مالك التريكي: هنالك اختلاف في الرأي إذن بين مصر والولايات المتحدة حول تقييم جدوى المساعدات الأميركية وأثرها التنموي في الاقتصاد المصري، حيث تبين أحدث دراسة مصرية أن مصر لم تستفد إلا من حوالي ثلثي أموال المعونة الأميركية وذلك بسبب كثرة الشروط الأميركية المتعلقة بتنفيذ المشاريع التي رصدت لها.. لها هذه المساعدات لبحث قضية المساعدات الأميركية لمصر من وجهة النظر الأميركية معنا من واشنطن الدكتور مايكل هدسون (أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون).
دكتور هدسون، أحدث دراسة أميركية في مجال المساعدات الأميركية تقول إن مصر لم تستفد طيلة ربع القرن الماضي إلا من حوالي ثلثي المعونة، لماذا تستأثر أميركا بحوالي ثلث المعونة التي تقدمها لمصر، علماً أنها تخدم مصالحها السياسية بتقديم هذه المعونة كيف تجمع بين الاستفادتين، الاستفادة السياسية والاقتصادية؟
د.مايكل هدسون: طبعاً المصلحة الأميركية بالنسبة لمساعدات خارجية نحو مصر وأي من بلدان في عالم.. عالم نامية، إنه مصالح أمنية أميركية، وطبعاً في مصر المساعدات كبيرة، كان يعني نتيجة من المعاهدة مصر وإسرائيل، وسبب منحها لمساعدات اقتصادية وعسكرية لمصر كان فعلاً يعني الأمن إسرائيل وبعدين أمن مصر، وبعدين على مستوى فعلاً يمكن التنمية الاقتصادية ومن هذا إنه شو.. يعني من ناحية من وجهة نظر أميركا إنه شو سياسات مصرية خارجية وداخلية والآن طبعاً بعد المحكمة ومشكلة دكتور سعد الدين إبراهيم كان فيه أصوات في الرأي العام في أميركا، وخاصة عند العناصر يعني شو بنقول المتطرفة العناصر اللي يسيطروا...
مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور.. دكتور هدسون أسف.. أسف على المقاطعة دكتور هدسون دكتور هدسون أسف على المقاطعة، دكتور هدسون قبل.. قبل الدخول في هذه المسألة ذكرت أن السبب الأساسي لتقديم المعونة الأميركية إلى.. إلى مصر هو توقيع معاهدة السلام مع.. مع إسرائيل، ولذلك فالمعونة تنقسم إلى قسمين، قسم عسكري وقسم اقتصادي، المبدأ الذي قامت عليه المعونة لا يزال قائماً، أي أنه معاهدة ال0سلام لا تزال سارية المفعول بين إسرائيل ومصر، ولذلك فالمساعدات العسكرية قائمة، بالنسبة للمساعدات الاقتصادية أميركا نفسها أرادت أن تساعد على تحرير الاقتصاد المصري وتعويض مصر عن فقدان المساعدات العربية، هي التزمت بذلك، لكنها تفرض أولويات ليست في مصلحة الاقتصاد المصري هنا، هنالك ضرر للاقتصاد المصري عندما تفرض أولوياتها.
د.مايكل هدسون: مضبوط، هذا صحيح، لأنه يعني بصراحة السياسة الأميركية يعني متناقضة بين على الجانب الواحد التنمية في مصر، وخاصة أن وأنه فاكرين هلا في علاقة بين الاستقرار الاجتماعية والاقتصادية والوجود عناصر متطرفية والإرهابية إلى آخره، ولكن مصر في.. في وجهة نظر في الدوائر إدارة (بوش) بيقولوا إنه مصر يعني ما ساعدنا يعني كافية، السلام بين إسرائيل ومصر سلام بارد، وبعد الحوادث 11 أيلول كنا يعني نلاحظ على النقد يعني قوي جداً في صحافة مصرية ضد أميركا، وبعدين المواطن العادي في أميركا بيسأل لماذا يعني نعطي مساعدات اقتصادية لمصر؟ وبعدين عندهم فكرة يمكن مضبوط ويمكن مش مضبوط إنه عندهم في مصر نظام يعني فساد وغير يعني.. inefficient
مالك التريكي: غير ناجع
د.مايكل هدسون: وبيقولوا لماذا نعطي الفلوس لنظام سلطوي وفسادي.
مالك التريكي: هذه المسألة حديثة نسبياً -دكتور هدسون- لأنه منذ ثلاثة أعوام.. منذ عام 99 بدأت خطة أميركية لخفض المساعدات إلى مصر وإلى إسرائيل بنسبة 5% كل عام، على مدى عشرة أعوام، بحيث تبلغ المساعدة الاقتصادية في عام 2008 مجرد أربعمائة وخمسة عشرة مليون دولار بالنسبة.. بالنسبة لمصر، لكن المساعدات العسكرية بالنسبة لإسرائيل سترتفع، بحيث تكون عام 2008 تقريباً ضعف ما تحصل عليه.. عليه مصر، ألا يثير ذلك أي.. موجة في الرأي العام الأميركي؟
د.مايكل هدسون: طبعاً.. طبعاً، يعني في.. في علاقة خاصة بين إسرائيل وأميركا، هذا مفهوم، وفي دوائر المجلس النواب خاصة، وفي دوائر الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، وعند المجموعات الضغط الصهيوني طبعاً الأولوية الأهم أمن إسرائيل، ومن هذا طبعاً يعني نعطي مساعدات عسكرية لإسرائيل، وطبعاً يعني يزيد، بس بالنسبة للعرب، و منهم يعني مصر والسعودية والأردن فيه تغيرات في الرأي العام في أميركا، وخاصة بعد 11 أيلول إنه العالم العربي والعالم الإسلامي يعني ما يحبونا، وهم يعني مصدر مشاكلنا الإرهابية، إلى آخره.. ومن هذا يعني كان ينزل المساعدات لمصر، وطبعاً شوية يعني لإسرائيل فعلاً، بس مش في المجال.. المجال العسكري...
مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن.. لكن المساعدات.. لكن المساعدات لمصر دكتور هدسون أصبحت مرتبطة ولأول مرة منذ ربع قرن بضغط علني من أجل.. من أجل قضية في هذه الحالة تتعلق بوضع من أوضاع حقوق الإنسان، الأمر لا.. لا يجري ما يوازيه مع.. مع إسرائيل، والسؤال في مصر الآن هو إذا كانت هذه المساعدات لا تساعد فعلياً على التنمية في.. في مصر، رقم بسيط هو أن الفائض التجاري الأميركي مع مصر الآن.. الفائض التراكمي يتجاوز أربعين مليار، وما حصلت عليه مصر منذ ربع قرن لا يتجاوز 52 مليار، فواضح من هو المستفيد حتى اقتصادياً، لماذا تحاول أميركا استعمال هذا.. هذا.. هذه الأداة، أي المساعدات كأداة ضغط سياسي؟ هي لا تقدم مساعدات في آخر الأمر.
د.مايكل هدسون: يعني النقطة الأساسية إنه أسباب ومصادر سياسات.. مساعدات أميركية نحو العالم الثالث، ومصر ما بأعرف شو، هنا المصالح استراتيجية أمنية أميركية، ومع الأسف ما نشوف يعني تمسك يعني في السياسة الأميركية، بالعكس يعني عدم تمسك، ما في يعني (....)، ومضبوط إنه.. نعم.. نعم.
مالك التريكي: دكتور مايكل هدسون (أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون بواشنطن)، لك جزيل الشكر.
منذ أن بدأت الولايات المتحدة قبل ثلاثة أعوام في الخفض التدريجي للمعونة الاقتصادية لمصر، والخطاب الرسمي في القاهرة يشير إلى وجود قناعة بضرورة توقف المساعدات ذات يوم، وبوجوب الاعتماد على المارد الذاتية في تحقيق التنمية الوطنية.
بعد الفاصل: نظرة في الاحتمالات في حال توقف المساعدات.
[فاصل إعلاني]
الموقف المصري من المساعدات واحتمالات توقفها
مالك التريكي: رغم أن المساعدات الاقتصادية تؤدي بوجه عام إلى وقوع الدولة المتلقية للمعونة في القبضة السياسية والاقتصادية للدولة المانحة، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن مصر نجحت نسبياً في الاحتفاظ بهامش من الاستقلالية تجاه السياسات الأميركية في المنطقة، وقد اتسع هذا الهامش في بعض.. في بعض الحالات إلى حد الاعتراض الواضح على توجهات واشنطن، مثلما هو حاصل على ما يبدو في قضية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، أو في الموقف من العراق، أو في الموقف من عملية السلام في السودان، معنا من القاهرة لبحث قضية عملية المساعدات الأميركية من وجهة النظر المصرية الأستاذ أحمد السيد النجار (الباحث الاقتصادي، والمشرف على إصدار وتحرير التقرير السنوي للاتجاهات الاقتصادية والاستراتيجية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية).
أستاذ النجار، هنالك شبه اتفاق بين كثير من المراقبين على أن مصر نجحت نسبياً خلال فترة السنوات والخمس والعشرين الماضية في الحفاظ على هامش من الاستقلالية السياسية تجاه سياسات واشنطن، رغم ربع قرن من المساعدات الاقتصادية و.. والعسكرية، إذا كان الأمر كذلك، أليس من قبيل التسرع العاطفي نوعاً ما الآن في أعقاب قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم الدعوة إلى الاستغناء عن المساعدات على الفور؟ أليس هذا نوع من التسرع؟
أحمد السيد النجار: في الحقيقة مسألة التسرع من عدمه دي مرتبطة بمسألة هل هناك قرار أو موقف حكومي في هذا الصدد أم لا، أما أن تدعو الجماعة البحثية أو النخبة السياسية الثقافية بصفة عامة إلى تقليص أو الاستغناء عن المساعدات الأميركية، فهذا أمر له علاقة بمسألة مكانة مصر كدولة إقليمية قائدة، وأيضاً فكرة الاستمرار في الاعتماد على مساعدات أجنبية لم تعد حتى لها أهمية كبيرة في الوقت الحالي، بالقياس لحجم الناتج المحلي الإجمالي لمصر، يعني الناتج المحلي الإجمالي لمصر 98.3 مليار دولار سنة 2000 وفقاً لأحدث تقرير للبنك الدولي، المساعدات إجمالاً أقل من حوالي 0.8% من.. بالنسبة للمساعدات الاقتصادية من الناتج المحلي الإجمالي لمصر.
لن تكون في الحقيقة لها تأثير جدي على.. جدي على الاقتصاد المصري، بالعكس هي في الحقيقة أثَّرت بشكل أو بآخر من ناحية.. بشكل سلبي على الاقتصاد والمصري، بمعنى تكريس فكرة أن هناك طرف أجنبي أو هناك طرف خارجي يمكن أن نتلقى منه بعض المساعدة، هذا قلل من حوافز الدعوة للاعتماد على الذات، حفز الادخار المحلي لبناء أو تمويل التنمية في مصر، وهذا أمر ضروري للغاية كدولة قائدة في المنطقة، لا يليق بها أن تستمر بالفعل في..
مالك التريكي [مقاطعاً]: هل..، أستاذ النجار، هل.. عفواً على المقاطعة، لأن أنت ذكرت نقطة تستدعي توضيحاً، هل ثبت حسب الدراسات أن هنالك مثلما يقال علاقة تناسب عكسي بين المعونة الأجنبية وبين الادخار الوطني؟
أحمد السيد النجار: في الحقيقة الادخار المحلي في مصر هو واحد من أدنى مستويات الادخار في العالم، يعني بتراوح بين 14% من الناتج المحلي الإجمالي و16%، المعدل العالمي 23%، المعدل بيصل في بعض البلدان زي الصين لأكثر من 40%، سنغافورة 52%، بلدان عموماً شرق أسيا، اللي هي الاقتصادات سريعة النمو كلها فوق الـ 30 أو 35%، فمصر بالفعل إذا أرادت أن تتحرك باتجاه درب النمو السريع عليها أن تكثف بالفعل حملة حكومية، وحملة لتغيير الثقافة العامة في مصر باتجاه رفع أو تعزيز قيمة الادخار، رفع.. بحيث يؤدي ذلك إلى رفع الادخار المحلي لمصر بشكل قوي.. الادخار المحلي الإجمالي لمصر كان في وقت من.. من الأوقات أعلى من هذا المعدل في الستينات، في الخمسينات، لكنه عامة في الحقيقة يجب التنويه إنه لم يكن مرتفعاً بشكل كبير، يعني عادة كانب الفعل حتى لو كان أعلى من 16% لكنه في الحقيقة منخفض بالمناسبة.. بالنسبة للمعدل العالمي، لأن مصر دائماً كان هناك طرف أجنبي، سواءً كان الاتحاد السوفيتي في وقت.. في وقت من الأوقات، أو الولايات المتحدة الأميركية حالياً، أو الاتحاد الأوروبي بيقدم مساعدة خارجية، أو حتى بعض البلدان العربية في بعض السنوات.
مالك التريكي: لكن في خضم الاستنكار الحالي لمحاولة واشنطن استخدام المساعدات كأداة ضغط وتدخل في شؤون سيادية تخص مصر، هنالك نسيان أو تجاهل نوعاً ما لإيجابيات هذه المساعدات، إذ ليس من المعقول أن تكون هذه المساعدات كلها سلبية، هنالك إنجازات تحققت في أرض الواقع وبنى تحتية تم تطويرها وبناء للمدارس وبعثات دراسية، ألا يجدر التذكير بأن هذه المساعدات كان لها دور إيجابي أيضاً؟
أحمد السيد النجار: في الحقيقة علينا أن.. إن حتى نحدد مدى إيجابية هذا الدور أن نرى بشكل موجز وسريع المساعدات الاقتصادية حوالي 24.7 مليار دولار من وقت أن بدأت حتى الآن، هذه المساعدات الاقتصادية رُدَّ منها حوالي 10.6 مليار دولار فوراً للولايات المتحدة في صورة للجزء الخاص ببرنامج الاستيراد السلعي، و برنامج المعونات الغذائية بالمناسبة برنامج المعونات الغذائية كان دائماً هناك شكوى من المصريين بالنسبة لمسألة المواصفات الخاصة بالسلع الأميركية، يعني أحياناً القمح الأميركي بيبقى مصاب.. مصاب بالصدأ الأحمر، في مرة من المرات ورد لمصر حيوانات مصابة بأمراض خطيرة، في حين أن التقارير الأميركية كانت تشير إنها خالية من الأمراض، على أي الأحوال يعني هذه أموال ردت مباشرة للولايات المتحدة الأميركية.
هناك برنامج خاص بتمويل بعض المشروعات في مصر شريطة أن تقوم بتنفيذها شركات أميركية، أن تستخدم خبراء أميركيين، أيضاً أن يتم استيراد كل المعدات اللازمة لها من خلال.. من الولايات المتحدة الأميركية، فالجانب الأعظم في الحقيقة من الأموال عادت مرة أخرى إلى الولايات المتحدة الأميركية.. حضرت ذكرت في..
مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ.. أستاذ نجار، آسف.. آسف على المقاطعة.. على المقاطعة هذه مسألة طبعاً معروفة، وقد سألنا فيها الأميركي في نوع.. في نوع من الاستفسار، لكن معروف المساعدات تأتي مرتبطة بشروط و.. وبضغوط، ومن يقبل المساعدات يقبل نوعاً ما الخضوع لهذه الشروط أو الضغوط في بعض.. في بعض الأحيان، وهذا لا يقتصر على أميركا فقط كدولة مانحة.. هنالك مشكلة هيكلية في.. في الاقتصاد المصري، في مؤتمر شرم الشيخ الأخير للدول المانحة، الجهات المانحة نفسها أشارت إلى أن السلطات المصري غير قادرة على إدارة ما لديها الآن من منح وقروض، وقالت إذا كان ما.. ما هو موجد لديكم منذ عشر سنوات لم تستطيعوا إداراته، فلماذا تطلبوا أموالاً إضافية؟
أحمد السيد النجار: أحياناً هذه المشكلة ربما يكون في جانب منها من مسؤولية الجانب المصري، لكن أيضاً في جانب بالنسبة للمساعدات الأميركية مسؤولية الجانب الأميركي، على اعتبار أنه يتحكم في الكثير من الأشياء التي تحدد هي بالفعل يمكن استخدام أو توظيف المنح أن لا، بمعنى أنه حتى الآن في الحقيقة ثلثين المساعدات هي التي.. هو ما تم استخدامه بالفعل، يعني هناك ثلث معطل.. معطل بالفعل من المساعدات خلال.. منذ بدء المساعدات حتى الآن، جانب منها بالفعل مسؤولية مصرية، لكن الجانب الأكبر مسؤولية أميركية في ظل التحكم الأميركي في مسألة الكثير من الاختيارات والمواصفات الخاصة بالسلع والمشروعات التي ستتم من خلال المساعدات.
هي في الحقيقة مساعدة مربوطة، ما نسميها مساعدات مربوطة، بمعنى لا تعطى لمصر كأموال تتحكم فيها في استخدامها أو توظيفها لتحقيق التنمية في مصر وفق أولويات المخطط المصري، هي مساعدات مربوطة، إما مشروعات.. إما لاستيراد سلعي أو تدريب أو غيره، وبيتم استخدام الأميركيين فيه، وبالتالي جزء منها عندما يتم تعطيله بالفعل أو لا يتم توظيفه يعود إلى الجهة المانحة، رغم الإقرار بأن الجانب المصري أيضاً مسؤول عن جانب من تعطيل جزء من الاستخدامات بالنسبة للمنح الأميركية.
مالك التريكي: إذا تم الأخذ بمبدأ معاملة الند للند كبديل ومبدأ.. مبدأ أو شعار التجارة لا.. لا المعونة، أي “Trade not Aid”حسب العبارة الإنجليزية، المناخ الاستثماري في.. في.. في مصر لا يشجع المستثمرين الأجانب، والاستثمارات الأميركية محدودة جداً في.. في.. في مصر، هنالك مشاكل في قوانين المناقصات، في قوانين الشركات، في مستوى توفير المعلومات، هل هذه إصلاحات يمكن التباطؤ فيها؟
أحمد السيد النجار: بداية أنا يعني لا.. يعني غير متفق مع مسألة إن المناخ مش ملائم، المناخ.. هناك في الحقيقة نوع من المبالغة في الكرم تجاه كل الاستثمارات، سواءً كانت عربية أو أجنبية في مصر، سواءً فيما يتعلق بالإعفاءات، وأيضاً الكثير من التفضيلات بالنسبة للمستثمرين الأجانب.. إذا كانت هناك بعض المشاكل خاصة بالاقتصاد المصري في الوقت الحالي هي ربما تمس أمور أخرى، ولكن لا تمس مصالح المستثمرين الأجانب، ربما يكون هناك موقف أكثر منه اقتصادي هو موقف سياسي فيما يتعلق بمسألة ضخ استثمارات كبيرة إلى مصر يعني بالفعل مصر سوق كبير، مصر تتوافر فيها العمالة. بمختلف مستوياتها المهارية، لديها إعفاءات هائلة، تقريباً تكاد تكون الأفضل فيا لعالم بالنسبة لمسألة المناطق الجديدة 20 سنة إعفاء ضريبي، المدن الصناعية اللي هي قائمة من فترة طويلة حوالي 10 سنوات، الوادي والدلتا فيه 5 سنوات.. إعفاءات لأي مشروعات في بداية تكوينها، فالمسألة فيها جانب سياسي في الحقيقة فيما يتعلق بمسألة الاستثمارات.. التدفق للاستثمارات الأجنبية إلى مصر. أما الجوانب الأخرى.. نعم..
مالك التريكي [مقاطعاً]: الأستاذ.. الأستاذ أحمد السيد النجار.. الأستاذ أحمد السيد النجار، لقد أدركنا، الوقت، آسف على المقاطعة الأستاذ أحمد السيد النجار (الباحث الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية من القاهرة) لك جزيل الشكر.
وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها. دمتم في أمان الله.
المصدر:الجزيرة



أعدها للنشر : أحمد شعبان - باحث سياسى

عنوان الحقيقة فى قضية ابراهيم عيسى - د/ سعد الدين ابراهيم


أبريل 08
دأبنا في مصر على ترديد أقوال مأثورة، دون توقف دوري لإعادة فحصها، والتأكد من درجة صدقيتها. ومن تلك الأقوال في التراث القانوني المصري "أن حُكم المحكمة هو عنوان الحقيقة". ولا بد أن هذا القول المأثور كان قد صدر في العصر الليبرالي المصري الحديث، الذي كان القضاء المصري فيه مستقلاً، تتوّجه محكمة عليا واحدة، هي "محكمة النقض والإبرام"، التي تأسست عام 1923، مُكملة للدستور، الذي صدر في نفس العام. وكما لم تشهد مصر، منذ ذلك الحين دستوراً في شموخ دستور 1923 على كثرة ما رأت من دساتير، فكذلك لم تشهد مصر منذ ذلك الحين قضاءً بنفس درجة الاستقلال التي كان عليها في ذلك العصر الليبرالي المجيد. ولعل جهاد "نادي القضاة" في مصر، خلال العقود الخمسة الماضية لاستعادة هذه الاستقلالية، هو أبلغ دليل على ما لحق بالقضاء من انتهاك وامتهان. فقد تغوّلت عليه السلطة التنفيذية. وفي داخل هذه الأخيرة، تغوّلت مؤسسة الرئاسة… فأصبحت في الواقع تهيمن على كل السلطات. إن هذه الخلاصة ليست استنتاجاً لهذا الكاتب، ولا هي اجتهاداً منه. ولكنها عبارات مقتبسة من حكم شهير لمحكمة النقض، صدر في 18/3/2003، برئاسة المستشار فتحي خليفة، رئيس محكمة النقض وقتها، ومعه ثمانية مستشارين آخرين، من أقدم نواب نفس المحكمة، في قضية مركز ابن خلدون.إن دافع الإشارة إلى هذا الحكم الشهير في قضية شهيرة، سأعود إليها لاحقاً، هو صدور حكم من أحد محاكم الجنح، مؤخراً، بحبس الصحفي المصري اللامع، إبراهيم عيسى، رئيس تحرير جريدة الدستور القاهرية، لمدة ستة شهور، بإدانته في تهمة نشر أخبار عن "صحة رئيس جمهورية مصر العربية، كان من شأنها الإضرار أو التهديد بإضرار الاقتصاد المصري". ولقراء هذا المقال من خارج مصر، لا بد من التذكير بالسياق وخلفية نشر صحيفة الدستور لخبر عن "إشاعات انتشرت فجأة في الشارع المصري، عن مرض الرئيس حسني مبارك"، في مثل هذا الوقت من عام 2007. والسبب في انتشار الإشاعة وقتها، هو انقطاع صحف الدولة الرسمية (الأهرام والأخبار والجمهورية وروزاليوسف) عن نشر صور الرئيس وأخباره لعدة أيام متوالية. وهي نفس الصحف التي تعودت على نشر أخبار الرئيس وصوره يومياً، خلال الست وعشرين سنة السابقة أي ما يقرب من عشرة آلاف يوم! وكل ما فعلته صحيفة الدستور، وتبعتها صحف مستقلة أخرى، هي أنها تساءلت عن صحة ما يشاع وقتها بين الناس في مصر المحروسة، وطالبت الصحيفة المتحدث الرسمي برئاسة الجمهورية، أو وزير الصحة، بإصدار بيان عن "صحة الرئيس"، يتبين منه الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لتبديد الإشاعة، أو تأكيد الخبر.وفي أي بلد متحضر، يحرص كبار المسئولين على إصدار مثل هذه البيانات عن حالتهم الصحية، وذمتهم المالية، دورياً فهم يعتبرون ذلك حقاً مشروعاً للرأي العام في بلدانهم. وبالتالي فهي مسئوليتهم في إعلام الناس. ويبدو أن إبراهيم عيسى كان "يظن"، أو لعله كان "يتمنى" أن تكون مصر بلداً متحضراً مثل بقية البلدان، التي يحرص مسئولوها على احترام هذا التقليد. وإن كان لإبراهيم عيسى من خطأ في هذا الشأن، فهو ذلك "الظن" (وبعض الظن إثم)، أو هذا "التمني"، (وبعض التمني أحلام يقظة). ولعل القاضي الذي أدان إبراهيم عيسى، وحكم بسجنه ستة شهور مع الشغل والغرامة، أراد على الطريقة الصينية الشمولية، أن يُصلح تفكير إبراهيم عيسى. والطريقة الصينية، والتي تعرف في أدبيات السجون باسم "إصلاح الفكر" (Thought Reform )، هي جعل الشخص المراد إصلاح فكره، يردد نفس العبارة عن خطأه وذنبه مئات المرات يومياً. ولا يحصل على مأكل، أو مشرب، أو نوم، إلا بانصياعه، وترديده بأنه كان مخطأ، في هذا أو ذاك. وطبعاً في حالة إبراهيم عيسى ستكون العبارة "كنت أظن"، أو "كنت أتمنى أن مصر بلد متحضر، مسئولوه بشر، يحيون، ويمرضون، ويموتون".وقد استوحى الصينيون هذه الطريقة في "التعذيب" أو "إصلاح الفكر" من مصدرين، أحدهما صيني قديم، والثاني، أدبي حديث. أما المصدر الصيني التقليدي فهو التعذيب بالتنقيط المائي ـ حيث يتم تثبيت أو تقييد من يراد تعذيبه أو إصلاح فكره، في نفس المكان، وإسقاط "نقطة ماء" على رأسه من ارتفاع مترين أو ثلاثة، تباعاً، لساعات أو أيام. ولا يتوقف هذا التنقيط، إلا بعد التأكد من إصلاح فكر السجين، أو اعتراف المتهم "بجرائمه"! ومن يتصور أن "نقطة ماء" تسقط على الرأس، لا ضرر منها ولا ضرار، فهو واهم. حيث أنها من أشد وسائل التعذيب قسوة. ورغم أنه لا ينتج عنها إسالة دماء، أو تكسير ضلوع، أو خلع أظافر، أو صدمات كهربائية. إلا أنها يمكن أن تصيب من يتعرض لها بالجنون. أما المصدر الأدبي الحديث للطريقة الصينية في إصلاح الفكر، فهي مستوحاة من رواية "جورج أرويل" (George Orwell ) الشهيرة: "1984"، والتي يحكي فيها هذا الكاتب الإنجليزي قصة مجتمع شمولي، يكون الرئيس، أو الزعيم، أو الأخ الأكبر (Big Brother )، حاضراً، رقيباً، وحسيباً، مع كل مواطن، كل الوقت، يحصي عليه ريحاته وجيئاته، ومشاعره وأفكاره، لتنبيهه أولاً بأول عن أي انحراف عن الصراط المستقيم، الذي هو الفكر السليم والشعور القويم، كما يقرره "الأخ الأكبر"، والذي هو تجسيم للأيديولوجية وللحزب وللسلطة، وهو الذي يمنح ويمنع، ويُبقي ويُميت. وبعد فترة من هذه الممارسة، يتحول كل إنسان إلى رقيب ذاتي، وحسيب ذاتي. وكذلك يصبح رقيباً وحسيباً على الآخرين من حوله. أي يتحول كل إنسان إلى "أخ أكبر" (Big Brother )، ومخبر. وهذا هو ما يطلق عليه علماء النفس الاجتماعي مصطلح "غسيل المخ" (Brain Washing ). لأن ضحاياه يصدقون ما يرددون آلياً. كتب جورج أرويل هذه الرواية عام 1948، بعد زيارة للاتحاد السوفييتي، شاهد فيها بنفسه، وسمع عما يحدث للناس في ظل شيوعية جوزيف ستالين. ورغم أنه كان اشتراكياً مثالياً معظم سنوات حياته، إلا أن ما رآه من مسخ وخسف وطمس لنفوس البشر باسم "الطوباوية الماركسية"، و"مجتمع العدالة والمساواة"، أرّق هذا الكاتب المرهف، التي كانت "الحرية" بالنسبة له أغلى القيم الإنسانية على الإطلاق. وتصور أرويل أن انتصار الستالينية خلال العقود الثلاثة التالية، أي مع عام 1984، يمكن أن يمسخ الفرد والمجتمع والإنسانية إلى مخلوقات وكيانات ميكانيكية، لا حول لها ولا طعم ولا شخصية، ولا إرادة. ولكن لحسن حظ البشرية أنه قبل اكتمال العقد الرابع على رواية جورج أرويل، كان الاتحاد السوفييتي نفسه في خبر "كان". ومع ذلك فإن مجموعة أخرى من بلدان العالم الثالث ـ من كوريا الشمالية، إلى زيمبابوي، إلى كوبا، إلى سوريا واليمن وليبيا، إلى مصر المحروسة، قد اُبتليت "بأخوة كبار" من النوع الذي حذرنا منه جورج أرويل نسيت أن أذكر أن "الأخ الكبير" في 1984 لا يمرض! ولا يموت!ويبدو أن إبراهيم عيسى قد فاته أن في مصر "أخ كبير"، لا يمرض. بل إن إبراهيم عيسى توهم منذ عدة سنوات أن هذا "الأخ الكبير" يمكن أن يموت، فكتب رواية بهذا العنوان، وهي "موت الرجل الكبير". ولكن لحسن حظ المصريين فإن العين الساهرة "للأخ الكبير" صادرت الرواية، وبذلك وأدت الفتنة في مهدها ـ عملاً بقول مأثور آخر، "نرضى بحاكم غشوم، خوفاً من فتنة قد تدوم". لقد صادر الأخ الكبير رواية "موت الرجل الكبير" منذ عدة سنوات. وها هو الأخ الكبير، يحكم عليه الآن بمصادرة حريته، بسبب تشككه في "صحة الرجل الكبير". فهل ما زال صحيحاً أن "الحكم هو عنوان الحقيقة؟"، رغم ما قالته محكمة النقض منذ خمس سنوات في قضية رأي مماثلة، كانت محاكم أخرى سابقة قد حكمت بسجن صاحب هذا الرأي الحر، منذ ثمان سنوات. والسؤال: ألا يغير البشر عناوينهم؟، فهل يا ترى تغيّر الحقيقة أيضاً عنوانها؟، وخاصة حينما يتقمص "الأخ الكبير" شخص قاض صغير"؟. إن الله وحده أعلم بالإجابة.

لماذا يلاحق سعد الدين ابراهيم قضائيا

عودة مديرمركز ابن خلدون من تركيا



عاد إلى أرض الوطن المهندس / احمد رزق - مدير عام مركز ابن خلدون بعد مشاركته فى مؤتمر التجهيز قمة الدول الثمانى فى تركيا ومن الجدير بالذكر أنه قابل على هامش فعاليات المؤتمر الدكتور / سعد الدين ابراهيم - عالم الاجتماع السياسى لتدارس كيفية الرد على الحكم السياسى الجائر منذ أيام .


يذكر أنه يتم الاستعداد لعقد مؤتم صحفى دولى للاعلان عن الخطوات التى سيتخذها محاموا الدكتور/ سعد الدين ابراهيم ، وسيعلن عن المؤتمر خلال الايام القادمة .
مصدر اعلامى بالمركز